أبو الليث السمرقندي

55

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

عنه - . فمر على بني عدي وبني النجار وقد أخذوا السلاح . فقال : « من أمركم أن تلبسوا السّلاح » . فقالوا : دحية الكلبي . وكان جبريل - عليه السلام - يتمثل في صورته . فلما جاء بني قريظة ، وجد بعض الصحابة قد صلوا العصر قبل أن يأتوا بني قريظة مخافة أن تفوتهم عن وقتها ، وأبى بعضهم فقالوا : نهانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن نصلي حتى نأتي بني قريظة . فلم ينتهوا إلى بني قريظة حتى غابت الشمس ، ولم يصلوا العصر . قال : فلم يؤنب أحدا من الفريقين ، أي : رضي بما فعل الفريقان جميعا . وفيه دليل لقول بعض الناس : إن لكل مجتهد نصيب . فجاء علي - رضي اللّه عنه - باللواء حتى غرزه عند الحصن . فسبت اليهود رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأزواجه ، ورجع إليه علي - رضي اللّه عنه - ، فقال : تأخر يا رسول اللّه ونحن نكفيك فيهم . قال : « سبّوني ولو كانوا دوني لم يسبّوني » . فلما جاءهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « يا إخوة القردة والخنازير انزلوا على حكم اللّه وحكم رسوله » . فقالوا : يا أبا القاسم ما كنت فحاشا . ورجع حيي بن أخطب من الروحاء ، وقد ذكر يمينه التي حلف بها لكعب بن الأشرف ، ودخل معهم في حصنهم ، ونزل بنو سعد بن شعبة أسد وثعلبة ، فأسلموا . وأبى من بقي . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأبي لبابة بن عبد المنذر : « اذهب فقل لحلفائك ومواليك ينزلوا على حكم اللّه تعالى ورسوله - عليه السّلام - » . فجاءهم أبو لبابة . فقال : انزلوا على حكم اللّه ورسوله . فقالوا : يا أبا لبابة نصرناك يوم بعاث ، ويوم الحدائق والمواطن كلها التي كانت بين الأوس والخزرج ، ونحن مواليك وحلفاؤك ، فانصح لنا ماذا ترى ؟ فأشار إليهم ووضع يده على حلقه يعني : الذبح . فقالوا : لا تفعل يعني : لا ننزل . فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « خنت اللّه ورسوله » . فقال : نعم . فانطلق فربط نفسه بخشبة من خشب المسجد حتى تاب اللّه عليه ، والتمسه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلم يجده . فقالوا : إنه قد ربط نفسه بخشبة من خشبة المسجد . فقال : « لو جاءني لاستغفرت له فأمّا إذ ربط نفسه فدعوه حتّى يتوب اللّه عليه » . ثم أتاه النبي صلّى اللّه عليه وسلم فحلّه ، فقال كعب بن أسد لأصحابه من بني قريظة : أما تعلمون أنه قد جاءنا ابن فلان اليهودي من الشام ؟ فقال لنا : جئتكم لنبي ينتهي إلى هذه الأرض من قريش ، وأنه يبعث بالذبح والقتل والسب ، فلا يهولنكم ذلك ، وكونوا أولياءه وأنصاره . فقالوا : لا نكون تبعا لغيرنا ، نحن أهل الكتاب والنبوة ، لا نتبع قوما أميين ما درسوا كتابا قط ، فلا نفعل . فقال كعب بن أسد : أطيعوني في إحدى ثلاث : قالوا : وما هي ؟ فقال : إنكم لتعرفون أنه رسول اللّه . فاتبعوه ، وانصروه ، وكونوا أنصاره وأولياءه . فقالوا : لا نكون تبعا لغيرنا . فقال : إما إذا أبيتم ، فإن هذه ليلة السبت ، هم يأمنونكم ، انزلوا إليهم فبيتوهم حتى تقتلوهم .